صديق الحسيني القنوجي البخاري

439

فتح البيان في مقاصد القرآن

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 132 إلى 134 ] وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ( 132 ) وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ( 133 ) إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 134 ) وَلِكُلٍّ من الجن والإنس ، وقيل من المؤمنين خاصة ، وقيل من الكفار خاصة لأنها جاءت عقيب خطاب الكفار إلا أنه يبعده قوله : دَرَجاتٌ أي متفاوتة ، وقد يقال إن المراد بها هنا المراتب وأن غلب استعمالها في الخير مِمَّا عَمِلُوا فيجازيهم بأعمالهم كما قال في آية أخرى وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [ الأحقاف : 19 ] . وفيه دليل على أن المطيع من الجن في الجنة والعاصي في النار ، قال الضحاك : الجن يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون ، وعن ليث بن أبي سليم قال : مسلموا الجن لا يدخلون الجنة ولا النار ، وذلك أن اللّه أخرج أباهم من الجنة فلا يعيده ولا يعيد ولده . وعن ابن عباس قال : الخلق أربعة فخلق في الجنة كلهم وخلق في النار كلهم وخلقان في الجنة والنار ، فأما الذين في الجنة كلهم فالملائكة ، وأما الذين في النار كلهم فالشياطين ، وأما الذين في الجنة والنار فالإنس والجن لهم الثواب وعليهم العقاب وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ من أعمال الخير والشر والغفلة ذهاب الشيء عنك لاشتغالك بغيره ، قيل هذا مختص بأهل الكفر والمعاصي ، ففيه وعيد وتهديد لهم ، والأولى شموله لكل المعلومات على التفصيل التام . وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ عن خلقه لا يحتاج إليهم ولا إلى عبادتهم لا ينفعه إيمانهم ولا يضره كفرهم ومع كونه غنيا عنهم فهو ذُو الرَّحْمَةِ لا يكون غناؤه عنهم مانعا من رحمته لهم ، وما أحسن هذا الكلام الرباني وأبلغه وما أقوى الاقتران بين الغنى والرحمة في هذا المقام ، فإن الرحمة لهم مع الغنى عنهم هي غاية التفضل والتطول ، ومن جملة رحمته إرسال الرسل للخلق وإبقاؤهم بلا استئصال بالهلاك فهذا الوصف يناسب سابق الكلام ولا حقه . إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أيها العباد العصاة فيستأصلكم بالعذاب المفضي إلى الهلاك ، وقيل الخطاب لأهل مكة ففيه وعيد وتهديد لهم ، والعموم أولى ويدخل فيه أهل مكة دخولا أوليا وَيَسْتَخْلِفْ أي ينشئ ويوجد مِنْ بَعْدِكُمْ أي بعد إهلاككم ما يَشاءُ من خلقه ممن هم أطوع له وأسرع إلى امتثال أحكامه منكم كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ أي من نسل قوم لم يكونوا على مثل صفتكم بل كانوا طائعين ، قيل هم أهل سفينة نوح وذريتهم من بعدهم من القرون إلى زمنكم . قال الواحدي والزمخشري : ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك فلم يهلكهم ولا